ابن عربي
32
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
لها وقالت له ، ونعتها بالطاعة والأخذ بالأحوط ليدل بذلك على علمها وعقلها ، وجعلها محلا لتكوين المعادن والنبات والحيوان والإنسان ، وجعلها حضرة الخلافة والتدبير ، فهي موضع نظر الحق ، وسخر في حقها جميع الأركان والأفلاك والأملاك ، وأنبت فيها من كل زوج بهيج ، من كل ذكر وأنثى ، وما جمع لمخلوق بين يديه سبحانه إلا لما خلق منها ، وهي طينة آدم عليه السلام خمرها بيديه ، وهو ليس كمثله شيء ، وأقامها مقام العبودية فقال : ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ) وظهر عن هذه الأرض من العالم المولدات إلى مقعر فلك المنازل ، وهذا الركن لا يستحيل إلى شيء ، ولا يستحيل إليه شيء ، وإن كان بهذه المثابة بقية الأركان ، ولكنه في هذا الركن أظهر حكما منه في غيره ، فهي الذلول التي لا تقبل الاستحالة ، فيظهر فيها أحكام الأركان ولا يظهر لها حكم في شيء ، تعطي جميع المنافع من ذاتها ، هي محل كل خير ، فهي أعز الأجسام ، لا تزاحم المتحركات بحركتها ، لأنها لا تفارق حيّزها ، يظهر فيها كل ركن سلطانه ، وهي الصبور القابلة الثابتة الراسية ، سكّن ميدها جبالها التي جعلها اللّه أوتادا لما تحركت من خشية اللّه ، آمنها اللّه بهذه الأوتاد فسكنت سكون الموقنين ، وهي الأم التي منها أخرجنا وإليها نعود ومنها نخرج تارة أخرى ، لها التسليم والتفويض ، هي ألطف الأركان معنى ، وما قبلت الكثافة والظلمة والصلابة إلا لستر ما أودع اللّه فيها من الكنوز ، لما جعل اللّه فيها من الغيرة ، فحار السعادة فيها فلم يخرقوها ، ولا بلغوا جبالها طولا ، أعطاها صفة التقديس فجعلها طهورا في أشرف الحالات ، وذلك عند الاضطرار ، لما أقامها مقامه ، مثل الظمآن يرى السراب فيحسبه ماء فإذا جاءه لم يجده شيئا ، يعني ماء ووجد اللّه عنده ، فما وجد اللّه إلا عند الضرورة ، كذلك طهارة الأرض لا تكون إلا لفاقد الماء على ما كان من الأحوال ، فانظر ما أشرف منزلها ، ثم أنزلها منزلة النقطة من المحيط ، فهي تقابل بذاتها كل جزء من المحيط ، وينظر إليها كل جزء من المحيط ، فكل خط منها يخرج إلى المحيط على السواء والاعتدال ، لأنها ما تعطي إلا بحسب صورتها ، وكل خط من المحيط إليها يقصد ، فلو زالت زال المحيط ، ولو زال المحيط لم يلزم زوالها ، فهي الدائمة الباقية في الدنيا والآخرة . واعلم أن اللّه تعالى قد جعل هذه الأرض بعد ما كانت رتقا كالجسم الواحد - كما كانت السماء - ففتق رتقها وجعلها سبعة أطباق ، كما فعل بالسماوات ، وجعل لكل أرض استعداد انفعال لأثر حركة فلك من أفلاك السماوات وشعاع